المحتوى التلفزيوني الهادف في تنشـئة طفل متسـلح بالمعرفة

إن مرحلة الطفولة المبكرة من أهم مراحل نمو الطفل/ الإنسان، فمن خلال المدخلات التي تتم فيها يمكن أن يتنبأ الباحثون بالملامح العامة لشخصية الطفل حين يكبر. وتحتاج هذه المرحلة إلى الكثير من الاهتمام من قِبَل الوالدين وموفري الرعاية، لأن نمو الطفل فيها يمكن أن يصل إلى 50% من نموه العام بحسب ما أكده (بلوم). والسبب هو أن الطفل في هذه المرحلة، وخصوصا من الميلاد إلى سن الرابعة يكتسب الكثير من المعلومات والمفاهيم المعرفية والمهارات، وهي التي تهيئه لمواجهة العالم من حوله.

  • هل هناك أنشطة مفيدة يمكن أن توجه فيها الأم طفلها لها في سن مبكرة؟

توجد الكثير من الأنشطة التي يمكن أن يقوم به الوالدان عمومًا، والأم خصوصًا في مرحلة الطفولة المبكرة، ومن أهمها الحوار مع الطفل (المناغاة)، والقراءة والغناء له، إذ تبين البحوث أن التحدث والقراءة والغناء مع الطفل كل يوم منذ ولادته يطور عقله ومهاراته المعرفية واللغوية وأيضًا الاجتماعية.

بالإضافة إلى التفاعل الحركي معه (كالقفز، والركض، والسباحة، والاستكشاف، والتسلق، والرسم، والتلوين)، وتعريضه لخبرات حياتية مختلفة، وعدم الخوف الزائد عليه حتى لا يصبح هذا الخوف سببًا في حرمانه من التعلم بالممارسة والخطأ في حدود المعقول.

أيضًا يوجد الكثير من النشاطات التي تحفز النمو الحسي عند الطفل وتدعم حواسه الخمسة، والتي تعد أمرًا بالغ الأهمية لأنها مصدر الطفل الأول في التواصل والتفاعل مع العالم المحيط به، من خلال تشجيعه على النظر حوله ورؤية واكتشاف أوجه التشابه والاختلاف وإجراء المقارنات، وتعليمه تمييز المعلومات بصريًا، وينطبق الشيء نفسه على تحفيز الحس السمعي عنده من خلال تشجيعه على الاستماع إلى الكلمات، والإيقاعات والموسيقى الجميلة، بالإضافة إلى الإيقاعات الموجودة في حياتنا اليومية مثل، أصوات العصافير، والمطر، والرياح.

هذه النشاطات لا تفيد النمو الجسدي واللغوي عند الطفل فقط، لكنها تساعده على أن يصبح واثق من نفسه، متفاعل مع الآخرين من عمره، كما سيتطور عالمه الاجتماعي ويتسع.

 

  • تعتبر برامج التلفزيون المخصصة للطفل أول شيء يحتك به في عالمه المفتوح ، فأحيانا يجلس رضع أمام الشاشة الصغيرة لمشاهدة برنامج لساعات ، برأيك كيف تؤثر تلك البرامج على نمو الطفل وتطوره ؟ وكيف يمكن للأهالي التدخل؟

تعرض الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة للتلفزيون والأجهزة الذكية يجب أن يكون مقنّنًا، وبوعي كبير وحذر شديد من قِبَل الوالدين، فالذي يميل إليه التربويون هو أن تكون معظم أنشطة الأطفال في هذه المرحلة عملية، عبارة عن تجارب عملية فردية وجماعية، في محيط الأسرة والأصدقاء، يكتسب من خلالها الطفل ما يحتاجه وما يتناسب مع نموه في هذا الوقت. وحين يتعرض لبرامج التلفزيون وتطبيقات الأجهزة اللوحية من الضروري أن يتم ذلك تحت إشراف الوالدين أو أحدهما، بحيث يتم اختيار البرامج التعليمية الهادفة والمناسبة، وإقصاء البرامج التي قد تكون لها آثار سلبية على شخصية الطفل. من المهم هنا أن نوجه الأمهات تحديدًا إلى عدم إلقاء مسؤولية شغل وقت الطفل على هذه الأجهزة والبرامج، فمهما كان القائمون عليها حريصين على تقديم الأفضل للأطفال، إلا أنهم لن يكونوا أكثر حرصًا من الوالدين، وأكثر دراية منهما بطبيعة كل طفل واحتياجاته.

  • يكتسب الطفل خبراته أولاً من الأسرة ثم المدرسة والمجتمع ، فما أهم القيم والمباديء التي يجب أن تزرعها الأم في طفلها؟

لا نفاضل بين القِيَم، فكلها مهمة، وكلها مما يجب أن يكتسبه الطفل في مراحل نموه المختلفة، لكن إن أردنا أن نختار ما يتناسب مع مرحلة الطفولة المبكرة فيمكن أن نذكر الصدق، والمشاركة، والانضباط، والتعاون على سبيل المثال، وهي قِيَم يمكن أن تصل إلى الطفل الصغير بكل سهولة من خلال المواقف الحياتية اليومية، دون وعظ مباشر.

  • هل المدرسة تلعب دورها التربوي المكمل لدور الأسرة ،ما ملاحظاتك في هذا السياق؟

تجتهد مدارسنا في دولة الإمارات في القيام بدورها التربوي، المكمّل لدور الأسرة، سواء من حيث جهود القائمين على المناهج الدراسية، أو المدرسين والمدرسات  الأكفَاء الذين يتم اختيارهم بناء على معايير عالية من قِبَل وزارة التربية والتعليم حتى يستطيعوا حمل أمانة تعليم أبنائنا. ولا شك في أن هناك فروقات في كفاءات المعلمين، ولكننا ننظر دائمًا إلى النصف الممتلئ من الكوب.

  • تحتار كثير من الأمهات في اختيار وتنقية ما يجب أن يشاهده أطفالهن من محتوى ، في ظل وجود برامج كرتون قد تتضمن عنف أو مشاهد غير مألوفة فما تعليقك؟

أنصح كل أم بأن تقوم بنفسها بمشاهدة أي كرتون قبل أن يشاهده أطفالها. ولتكن أكثر حرصًا على مشاهدة برامج الكرتون التي يتعلق بها أطفالها أكثر من غيرها، لتستطيع معرفة سبب انجذابهم له. وبالطبع أي كرتون يتضمن مشاهد عنف يجب صرف الطفل عن متابعته بطريقة غير مباشرة، كأن يتم اختيار وقت شراء حاجيات المنزل بالتزامن مع هذا الموعد، وبالتالي تحقق الأم أكثر من هدف، كإكساب الطفل مهارات في التبضع واختيار الحاجيات وتصنيفها، وفي الوقت نفسه إبعاد الطفل عن الكرتون دون نهي مباشر، ودون أن تبين له رفضها لمتابعته.

  • تحتل التكنولوجيا معظم أوقاتنا ، فما تعليقك على تأثير الهواتف الذكية على عقول الأطفال وأثر التكنولوجيا عموما عليهم ؟

بحسب الدراسات يجب ألا يتعرض الطفل دون السنتين للأجهزة الذكية، لأنها تؤثر سلبًا على نمو الطفل من نواحٍ مختلفة حسية وحركية وإدراكية ولغوية واجتماعية. وبعد السنتين يجدر بالوالدين أن يضعا قوانين لاستخدام أطفالهم الصغار لهذه الأجهزة. لأننا لا نريد المزيد من أطفال الآيباد وغيره من الأجهزة اللوحية، الأطفال المتسمين بالسكون السلبي، الملتصقين بمكان واحد معظم الوقت، الصامتين طوال اليوم، الذين يتفاعلون –افتراضيًا- مع عالم غير موجود فعليًا، ويفتقدون لأهم مهارات التواصل الاجتماعي مع العالم المحيط به واقعيًا.

  • تأخذ اللغة الإنجليزية مكانتها في معظم المدارس في ظل ترحيب من جانب الأهالي ، وهو ما جاء على حساب اللغة الأم ، فما طرق تعليم الطفل اللغة وكيفية التغلب على صعوباتها؟

ندرك جدًا أن اللغة العربية عانت كثيرًا من عدم وجود الاهتمام الكافي بها في فترات مختلفة مرّت يمكن اعتبارها بإذن الله ماضيًا رحل ولن يعود. حاليًا، تولي حكومة دولة الإمارات اهتمامًا بالغًا باللغة العربية بوصفها مكوّنًا رئيسيًا من مكونات الهوية الوطنية. وقد تم تطوير مناهج اللغة العربية لكافة المراحل الدراسية في التعليم العام، واعتُمدت اللغة العربية الفصحى لغةً للتدريس داخل الصف الدراسي، وزادت مبادرات الاهتمام بالقراءة باللغة العربية للصغار والكبار، كما زاد التوجه لإنتاج محتوى عربي ملائم ومناسب للطفل في مراحله العمرية المختلفة سواء على التلفزيون أو اليوتيوب، وعلى رأسها برنامج الأطفال التعليمي الترفيهي الشهير، افتح يا سمسم، الذي نفخر في بداية للإعلام بأننا من نقوم بإنتاجه من أبوظبي إلى أطفال العالم العربي أجمع.

  • هناك زخم من البرامج التي تتوجه للأطفال، فما تقيمك لما يقدم من محتوى في هذه البرامج وهل ترين أنها مناسبة أم لا ؟

الكل يجتهد، والكل يشعر بالثغرة الموجودة ويحاول أن يملأها بما يرى أنه يمتلكه. وأستطيع أن أقيّم ما تقدمه مؤسسة بداية للإعلام، المنتجة لبرنامج افتح يا سمسم وغيره من برامج الأطفال التوعوية، بسبب كوني جزءًا من هذه المنظومة الإعلامية القائمة على أسس لغوية وتربوية. نحن في مؤسسة بداية لا نقدم على تنفيذ أي مشروع إلا بعد أن نضع له منهجًا تربويًا يشكل الأساس الذي يقوم عليه، ولا يمكن أن يظهر أي برنامج من بين أيدينا إلا بعد أن يتم اختباره قبليًّا وبعديًّا على شريحة كبيرة ومتفاوتة جدًا من الأطفال. وهذا ما يمنح برامجنا مصداقية لدى المؤسسات التربوية، وأيضًا لدى أفراد المجتمع، وهو ما ميّزنا وحفر اسمنا في مجال الإعلام التربوي الموجه لمرحلة الطفولة المبكرة في غضون سنوات قليلة.

  • أصبح هناك عشوائية في إقامة قنوات مخصصة للأطفال في ظل غياب الخبراء الذين يهتمون بالأبعاد النفسية والسلوكية للطفل ، فما تعليقك وهل يجب محاكمة تلك القنوات؟

سأكتفي بالرد على هذا السؤال بهذا الجزء من الآية القرآنية الكريمة: {فأما الزبدُ فيذهب جُفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}. دون محاكمة أو إشهار غير مقصود لتلك القنوات، سيدرك الأهالي بأنفسهم أنها لا تقدم ما يناسب أطفالهم وسيتجهون لما فيه النفع والفائدة، حتى إن أخذ هذا وقتًا، لكنه حتمًا سيحدث.

  • حدثينا عن برنامج “افتح ياسمسم” وكيف يساهم في تنمية قدرات الطفل اللغوية والإبداعية ؟مالذي يتميز به الموسم الثاني وكيف يمكن هكذا برنامج أن يساعد الأهالي في تربية جيل المستقبل بطريقة سليمة؟

يتميز “افتح يا سمسم” دائمًا وأبدًا بأنه يجمع بين التعليم والترفيه. الهدف الأساسي من البرنامج هو إكساب الأطفال معلومات ومفاهيم ومهارات محددة سلفًا في كل موسم، لكن ذلك لا يتم بطريقة مباشرة، بل بطرق مبتكرة مختلفة، قادرة على جذب الطفل إلى المحتوى الذي يُقدّم إليه. وفيه يتم استثمار الدمى الفروية الشهيرة المحبوبة جدا من الأطفال والكبار على حد سواء.

ويمكن أن يجد الأهالي والمربون في حلقاته التي تتضمن فقرات مختلفة تتناسب مع الميول المتفاوتة للأطفال داخل البيت الواحد عونًا في تمرير بعض المفاهيم والمعاني الصعبة لأطفالهم، حيث يتم تناول الموضوع أو القيمة أو المهارة الواحدة من زوايا مختلفة، بحيث يستطيع الأطفال استيعابها بشكل متكامل، في جو من المرح، دون أن يشعروا أنهم يتعلمون.

وبخصوص الموسم الثاني تحديدًا، له عدة مميزات، أهمها أنه يتناول موضوع التكنولوجيا والعلوم والرياضيات والهندسة بقوالب ممتعة ومسلية، وهي العلوم التي يتم التركيز عليها حاليًا سواء في التعليم العام أو في المراكز الحديثة الخاصة بالفضاء وغيرها. وقد أضفنا إليها الفنون لتكسر قالب المحتوى العلمي الصِرْف للحلقات، ولكي يعرف الطفل أيضًا أن هذه العلوم مرتبطة بشكل أو بآخر بالفنون. كما أضفنا القِيَم، تماشيًا مع توجه دولتنا نحو تأصيل التربية الأخلاقية بما تتضمنه من قِيَم أصيلة، وصفات شخصية وفق المعايير العالمية، إلى المنهج التربوي الذي وُضعت حلقات الموسم الثاني على أساسه. وسيتم في الموسم الثالث التركيز على القِيَم ومعها العلاقات الاجتماعية على نحو أكثر تفصيلاً بإذن الله.

  • كونك متخصصة في تطوير محتويات وبرامج تعليمية للأطفال ، هل ترين اختلافا جذريا بين المحتوى المخصص للأطفال في السابق وما يقدم الآن؟

لعلّ الاختلاف يكمن في وجود المنهجية خلف ما نقدمه نحن في “افتح يا سمسم”، وبقية البرامج التوعوية التي تنتجها مؤسسة بداية للإعلام، وعدم وجودها عند البعض. هذا ما نحتاجه فعليًّا كي تؤتي البرامج الموجهة للطفل ثمارها. لم يعد الإنتاج لمجرد تعبئة ساعات البثّ كافيًا، لا بد من وجود محتوى هادف، يضعه الخبراء المتخصصون كلٌّ في مجاله حتى نصل للهدف الرئيسي من كل هذا، وهو تنشئة طفل قادر على مواجهة تحديّات المستقبل وتعقيداته، وهو متسلح بالقوة المعرفية، ومعتزّ بهويته، وفخور بنفسه ووطنه.

Bidaya Editorالمحتوى التلفزيوني الهادف في تنشـئة طفل متسـلح بالمعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *